وطنٌ طاردٌ لأبنائه
2026-02-02 09:34:06 Written by Eritrea Al-Touq Published in المقالات العربية Read 19 timesالوطن، تلك الكلمة التي يُفترض أن تكونَ مرادفًا للأمان، والكرامة، والانتماء، والحلم. الوطن الذي يُولد فيه الإنسان وهو يعتقد – بفطرته – أنه الحضن الدافئ الذي يحميه، والملاذ الذي يحتضن طموحاته، والمساحة التي يكبر فيها دون خوف
لكن، ماذا لو تحوّل الوطن إلى عبء؟
ماذا لو أصبح المكان الذي يُفترض أن يمنحَ الحياةَ، سببًا للهروب منه؟
ماذا لو صار الوطن طاردًا لأبنائه بدل أن يكون حاضنًا لهم؟
هذا هو السؤال المؤلم الذي يفرض نفسه عند الحديث عن الواقع الإرتري، واقعٌ عاشه الشعب الإرتري منذ فجر الاستقلال، وتحديدًا فئة الشباب، صُنّاع المستقبل، وحملة الأمل، والوقود الحقيقي لأي نهضة وطنية
منذ أن نالت إرتريا استقلالها، حمل الشعب آمالًا عريضة بدولة عادلة، تحترم الإنسان، وتصون كرامته، وتكافئ تضحياته الطويلة. لكن ما حدث كان على النقيض تمامًا؛ إذ سرعان ما تحوّل حلم الاستقلال إلى كابوسٍ طويل الأمد، بفعل سياسات وممارسات نظام استبدادي أحكم قبضته على الدولة والمجتمع، وجعل من الوطن سجنًا كبيرًا، ومن المستقبل فكرة مؤجلة بلا أفق
أبناء إرتريا اليوم لا يهربون من وطنهم كراهيةً له، بل حبًا في الحياةِ، وطلباً لها
لا يغادرونه بحثًا عن الرفاهية، بل بحثًا عن الحد الأدنى من الكرامة الإنسانية.
إنهم لا يفرّون من الأرض، بل من القهر، ومن الخوف، ومن غياب الأمل
الشباب الإرتري، الذي يُفترض أن يكون عماد الدولة، تحوّل إلى أكثر الفئات استهدافًا.
خدمة وطنية مفتوحة بلا أفق زمني؛ تحوّلت من واجبٍ وطنيّ إلى أداة قمع، تستنزف أعمار الشباب، وتسرق سنوات الإنتاج، وتحطم الأحلام.
لا دراسة حقيقية، ولا عمل كريم، ولا حرية اختيار، ولا أفق واضح للحياة
تخيّل شابًا في العشرينات من عمره، لا يعرف متى تنتهي خدمته، ولا يملك حق التخطيط لمستقبله، ولا يستطيع تكوين أسرة، ولا حتى التعبيرَ عن رأيه.
أيُّ وطن هذا الذي يطلب من شبابه التضحية المستمرة دون مقابل؟
وأي مستقبل يمكن أن يُبنى على الخوفِ والصمتِ والإجبار؟ إنّ السياسات القمعية، وغياب الدستور، وانعدام دولة القانون، وتكميم الأفواه، واحتكار السلطة، كلها عوامل جعلت من إرتريا واحدة من أكبر الدول المصدّرة للاجئين في العالم، رغم صغر مساحتها وقلّة عدد سكانها.
قوارب الموت في البحار، ومسارات الهجرة الخطرة عبر الصحارى، ليست خيارًا مفضّلًا للشباب، بل خيارًا اضطراريًا أمام وطن أغلقَ كل الأبواب
الوطن الطارد لا يُبنى بالقوة، ولا يستمرُّ بالخوف.
التاريخ يعلّمنا أن الدول التي تقهر شعوبَها، خاصة شبابها، تحكم على نفسها بالجمود والانهيار، مهما طال الزمن. لكن، ورغم هذا الواقع القاتم، فإن الأمل لا يموت
فالشعوب من الممكن أن تُقهرَ، أما إخضاع إرادتها، فهو من المستحيل
وإرتريا، بتاريخها النضالي، وبشعبها الصبور، قادرةٌ على استعادة روح الوطن الحقيقي
فكيف ننتقل من وطن طاردٍ إلى وطنٍ حاضن؟
أولا- إنهاء الاستبداد السياسي، وفتح المجال أمام التعددية، واحترام الرأي الآخر، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وبناء دولة مؤسسات لا دولة أفراد
ثانيا- إصلاح شامل لنظام الخدمة الوطنية، وتحويله إلى خدمة محددة المدة، مرتبطة بالتنمية الحقيقية، لا بالاستنزاف والقهر، بما يسمح للشباب بالتعليم والعمل وبناء حياتهم
ثالثا- إعادة الاعتبار للشباب، باعتبارهم شركاء في صنع القرار، لا مجرد أدوات تنفيذ. الاستثمار في التعليم، وخلق فرص العمل، وتشجيع المبادرات، هو الطريق الوحيد لبناء مستقبل مستدام
رابعا- سيادة القانون والدستور، فلا وطن بلا عدالة، ولا انتماء بلا كرامة، ولا استقرار بلا ثقة بين المواطن والدولة
خامسا- المصالحة الوطنية الشاملة، التي تعترف بالأخطاء، وتفتح صفحة جديدة قائمة على المشاركة، لا الإقصاء، وعلى الحوار لا القمع
الوطن الحقيقي ليس مجرد حدود جغرافية، بل علاقة ثقة بين الإنسان وأرضه.
الوطن الحقيقي هو الذي يجعل أبناؤه يتمسكون به، لا يفرّون منه.
هو الذي يمنحهم الأمل، وليس ذلك الذي يدفعهم إلى المنافي
إرتريا لا تحتاج إلى شبابٍ صامتين، بل إلى شباب أحرار يشكلون مستقبلهم بأيديهم.
لا تحتاج إلى طاعة عمياء، بل إلى مشاركة واعية.
ولا تحتاج إلى وطن طارد، بل إلى حضنٍ دافئٍ يتسع لجميع أبنائه
وفي الختام، نقول:
الوطن الذي يطرد أبناءَه، يفقد روحه ببطء.
والوطن الذي يحتضنهم، يضمن مستقبله مهما كانت التحديات
فلنحوّل الحلم المؤجل إلى واقع، ولنجعل من إرتريا وطنًا يُحبُّ، لا وطنًا يُهربُ منه؛ وذلك بطرد نظام الهقدف البغيض، مرّةً وإلى الأبد